الفتوى رقم (18542)

س: نحن في مجتمع قبلي قد نشأ أفراده على عادات وتقاليد

يحكمونها في مشاكلهم، سواء كان الاختلاف في المزارع أو في أراض سكنية، أو مشكلات زوجية، أو في مشاجرات تحدث بينهم، لهم في ذلك قواعد محفوظة في أذهان كبار السن من القبائل، يتحاكمون إليها ويحتجون بأن ذلك من إصلاح ذات البين، وأن ما يجري من دعوى وإجابة من الخصمين وبحضرة الذين يسمون حكاما يقولون: إن هذا ترتيب لا بد منه في حالة الإصلاح، وقد يحكمون بيمين على المنكر، ويقولون: اليمين يحكم بها القاضي في حالة الإنكار. فهم لا يرون بأسا بطريقتهم تلك، وبضغوطهم على من يأبى دفع المبلغ المحكوم به عليه يقولون: كل ذلك نقصد به القضاء على المشكلة. فهل هذا الأسلوب وهذه الوسيلة التي ينتهجونها يعد صلحا شرعيا، وهل لهم في هذا أجر؟ وإذا كان خلاف ذلك نرجو إيضاح صفات المصلحين بين الناس بالطريقة الشرعية الصحيحة؛ حتى نكون على بينة من الأمر. مع العلم بأن بعض الذين يحكمون في مثل هذه المشاكل قد يصوم من كل شهر الاثنين والخميس، ويظن إن كان هناك إثم فإنه بسيط، ويستغفر الله تعالى ويكفي، كما أن من عادات تلك القبائل أنهم يستنكرون رفع المشكلات إلى السلطات الرسمية استنكارا شديدا، مما يجعلهم يقفون يدا واحدة ضد الذي يرفع الشكوى ضد آخر، وأن الحق له بصرف النظر عن ذلك الذي قام بالشكوى، فإنهم

يعتبرونه أضاع حقه برفع الشكوى إلى السلطات، ولا يشهدون معه ولا يسمحون له بالحضور في محافلهم مثل الزواج وغيره من المناسبات التي تقام عند القبيلة، وكذلك إذا تعرض لحادثة من حوادث الزمان لا يقفون معه، ومثال ذلك: لو تعرض لدهس شخص وقرر عليه دية، لا يساعدونه فيها حتى يعود إلى القبيلة، ثم يسلم معدال (سيف) أو مبلغا من المال، ثم يسحب شكواه من السلطات الرسمية، ثم يتحاكم إلى عرفاء ومشائخ القبائل، ويحكمون عليه سلفا وحكما مغلظا في الشكوى، سواء كان هو مخطئا أو عليه الخطأ، ثم بعد ذلك يحكمون عليه في الشكوى، وينظرون في المشكلة بعد أخذ حق القبيلة، فإن كان وجده في مجلس ولم يصافحه فيحكمون عليه بألف ريال 1000 وأحيانا أكثر، وإن كان قال له مثلا: كلمة (يا سارق) يحكمون عليه بخمسة آلاف ريال 5000، وهكذا ينظرون في مشاكل أفراد القبيلة، ويحكمون فيهم حكم الأوائل من آبائهم. وأجدادهم. فهل من نصيحة لأولئك القوم، خاصة الذين يعتبرون هذا العمل من الإصلاح بين الناس وتلافي المشاكل بينهم، ويقولون: ذلك من لمم الذنوب، ومما تكفره الصلوات الخمس وغيرها؟ فنرجو من سماحتكم تبيين الجواب في هذه المشكلة.

ج: يجب الرجوع في المنازعات والخصومات إلى المحاكم

الشرعية، وترك الحكم بالعادات القبلية والأعراف الجاهلية؛ لقول الله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} (1) ، وقوله جل وعلا: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (2) ، وقوله سبحانه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (3) .

وأما الإصلاح بين الناس وتسوية النزاعات بينهم، فهذا أمر حسن ومطلوب، لكن الإصلاح المشروع هو ما لا يكون فيه مخالفة للشرع المطهر، ولا إلزام للممتنع، ورضي به الطرفان من غير إجبار ولا فرض عقوبة معينة، وحصل به حل النزاع وزوال الشحناء، فكل ذلك داخل في قوله سبحانه: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (4) ، وقوله سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} (5) ، وقوله عز وجل: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (6)

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو ... عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس

بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز آل الشيخ ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الفتوى رقم (18561)

س: نحن نواب قبائل آل وائلة بتهامة عسير، نقوم بالنظر في بعض القضايا، وذلك بقصد ردع أفراد القبيلة، وسعيا في تخفيف المشاكل، وهي كالآتي:

1- اللاذة: وهي أنه إذا حصل خصومة بين شخصين أحدهما يطلب حقه من الآخر، فالذي عليه الحق يستليذ بشخص آخر ويقوم الأخير بردع صاحب الحق، ويطلب منه عدم مطالبة الشخص الذي لاذ به، وإذا عاد صاحب الحق وطالب بحقه من خصمه مرة ثانية، فإن المليذ يثور باثني عشر رأسا من الغنم، يسلمها للشخص الذي لاذ به، ثم يعود المليذ فيذهب مع صاحب الحق الأول إلى النائب ويلزمه النائب بتسليم اثني عشر رأسا من الغنم للمليذ، فلا أخذ صاحب الحق حقه وألزم بدفع اثني عشر رأسا من الغنم من جراء مطالبته بحقه.

2- عدالة: إذا حصلت قضية طعن بسكين أو إطلاق على شخص، فإن المعتدي والمعتدى عليه يجلسون عند نائب

القبيلة، ويتولى النظر في قضيتهم ليفض النزاع على النحو الآتي:

يقوم النائب بقوله: أنا سأحكم بينكما بشرط أن تقبلوا حكمي، ويمسحوا على لحاهم قابلين بحكمه مهما كان، ثم يحكم على الطاعن أو الضارب بما يراه من عشر إلى خمسمائة رأس من الغنم، ويقبل هذا الحكم وينفذه كل منهما.

قضايا الحدود:

السرقة: عند قيام شخص بسرقة رأس من الغنم، فحين التعرف عليه فإنه يلزم بدفع اثني عشر رأسا من الغنم، نكالا له وردعا لغيره.

فهل يعتبر نظرنا في مثل هذه القضايا من الحكم بغير ما أنزل الله؟ أفتونا ووجهونا بارك الله فيكم.

ج: ما ذكر في السؤال من عادات وأعراف قبلية هي أحكام جاهلية لا يجوز التحاكم إليها والرضا بها، والواجب على المسلمين أينما كانوا التحاكم إلى الشريعة الإسلامية ونبذ الأحكام المخالفة لها لقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} (1) وقوله سبحانه:

{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (1) وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (2)

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو ... عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس

بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز آل الشيخ ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

الهوامش

(1) سورة المائدة الآية 49

(2) سورة المائدة الآية 50

(3) سورة النساء الآية 59

(4) سورة النساء الآية 128

(5) سورة الأنفال الآية 1

(6) سورة النساء الآية 114

(1) سورة المائدة الآية 49

(1) سورة النساء الآية 59

(2) سورة المائدة الآية 50