الفتوى رقم (21120)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، على ما ورد ترجمة الاستفتاء والجواب الصادر عليه، والمنشورين في مجلة المدينة الشهرية، الصادرة من دكا باللغة البنغالية، العدد الخامس، العام (35) شهر أغسطس 1999 م، وربيع الثاني 1420 هـ. ونص السؤال من أحد أفراد الجالية البنغلاديشية في المملكة العربية السعودية: (إننا كنا نؤمن بالله موجود في كل مكان، وهو عديم الصورة، ولكن هنا في السعودية في أحد المكاتب التعاونية ألقى أحد المترجمين البنغلاديشيين درسا، وقال فيه: إن الله ليس موجودا في كل مكان، وهو موصوف بأن له يدا وعينا وغير ذلك، ومن لم يؤمن بهذه العقيدة لا يكون مؤمنا. سؤالي: ما رأيكم في هذه المقالة؟ أرجو توضيح ذلك في ضوء
الكتاب والسنة. فقال المجيب: من قال مثل هذا الكلام فهو إما أن يكون جاهلا جهلا مركبا، وإما أن يكون مجنونا، ولا يستبعد من أن يكون عميلا لإحدى الفرق الضالة، فإن الله تعالى عديم الصورة، وهو موجود في كل شيء وفي كل مكان، وقدرته تحيط بكل شيء، وقد جاء ذكر الله تعالى موصوفا بمثل هذه الصفات في آيات كثيرة من القرآن وفي الأحاديث النبوية الشريفة، فلا تستمع إلى مثل هذه الهراة حتى تفسد إيمانك. انتهى الجواب
وبما أن هذا الجواب جواب باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع أهل السنة سلفا وخلفا، وللعقيدة الصحيحة، لأنه يتضمن مذهب الحلول - أي أن الله حال في كل مكان حتى المواضع القذرة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وكذلك يتضمن هذا الجواب تعطيل الله من صفاته العظيمة التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم من علوه على خلقه، واستوائه على عرشه، وأنه بائن من خلقه سبحانه وتعالى، ليس في خلقه شيء من ذاته سبحانه ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأنه موصوف بأن له يدا ورجلا وقدما وساقا، وأن له وجها ويدين وعينين إلى غير ذلك من صفات كماله
الذاتية والفعلية، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة، قال تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (1) ، وقال تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} (2) {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} (3) ، وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء (4) » ، وقال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (5) في سبعة مواضع من كتابه. وقال تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (6) ، وقال تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} (7) ، وقال تعالى لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (8) ، وقال تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} (9) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة
فيها رجله (1) » ، وفي رواية: «قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط (2) » . وقال تعالى لكليمه موسى عليه السلام: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} (3) ، وقال تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} (4) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم ليس بأعور (5) » ، وقال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} (6) ، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأن الله تعالى يكشف عن ساقه يوم القيامة، فإذا رآه المؤمنون سجدوا لله تعالى تعظيما، ويريد المنافقون أن يسجدوا عند ذلك فلا يستطيعون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت ربي عز وجل في
أحسن صورة (1) » ، وقال: «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن (2) » ، إلى غير ذلك من نصوص الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ومذهب أهل السنة والجماعة الإيمان بها، وإثبات ما دلت من غير تشبيه ولا تمثيل، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (3) .
وإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية إذ تبين ذلك، فإن الواجب على رئيس تحرير (مجلة المدينة)
الشهرية الصادرة من دكا ببنغلاديش الشيخ محيي الدين خان أن ينشر هذه الفتوى، وأن يطلب من صاحب الجواب المذكور أن يتراجع عنه، ويعلن تراجعه في نفس المجلة، فإن الرجوع إلى الحق فضيلة، والحق ضالة المؤمنين، ولما في ذلك من هداية الناس إلى الحق وصرفهم عن الباطل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا (1) » .
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الهوامش
(1) سورة البقرة الآية 255
(2) سورة الملك الآية 16
(3) سورة الملك الآية 17
(4) صحيح البخاري المغازي (4351) ، صحيح مسلم الزكاة (1064) ، مسند أحمد (3/5) .
(5) سورة طه الآية 5
(6) سورة الرحمن الآية 27
(7) سورة القصص الآية 88
(8) سورة ص الآية 75
(9) سورة المائدة الآية 64
(1) رواه من حديث أنس رض الله عنه: أحمد 3\ 134، 141، 229- 230، 234، 279، والبخاري 6\ 47، 7\ 225، 8\ 167، ومسلم 4\ 2187 برقم (2848) ، والترمذي 5\ 395 برقم (3272) ، والنسائي في (الكبرى) 7\ 149، 151 برقم (7672، 7678) .
(2) رواه من حديث أنس رض الله عنه: أحمد 3\ 134، 141، 229- 230، 234، 279، والبخاري 6\ 47، 7\ 225، 8\ 167، ومسلم 4\ 2187 برقم (2848) ، والترمذي 5\ 395 برقم (3272) ، والنسائي في (الكبرى) 7\ 149، 151 برقم (7672، 7678) .
(3) سورة طه الآية 39
(4) سورة القمر الآية 14
(5) رواه من حديث أنس رضي الله عنه: أحمد 3\ 103، 173، 228، 233، 276، 290، والبخاري 8\ 103، 172، ومسلم 4\ 2248 برقم (2933) ، وأبو داود 4\ 494 برقم (4316) .
(6) سورة القلم الآية 42
(1) رواه بهذا اللفظ المختصر من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ابن أبي عاصم في (السنة) 1\ 327 برقم (478) (ت: الجوابرة) . كما رواه بلفظ مطول من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أيضا: أحمد 1\ 368، والترمذي 5\ 366، 367 برقم (3233، 3234) ، وابن خزيمة في (التوحيد) 2\ 538 - 539 برقم (319) ، والآجري في (الشريعة) 3\ 1547 - 1549 برقم (1039، 1040) (ت: الدميجي) ، وأبو يعلى 4\ 475 برقم (2608) ، وعبد بن حميد 1\ 577 برقم (681) .
(2) رواه بلفظ (صورة الرحمن) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: عبد الله بن أحمد في (السنة) 1\ 268 برقم (498) ، وابن أبي عاصم في (السنة) 1\ 362 برقم (529) (ت: الجوابرة) ، وابن خزيمة في (التوحيد) 1\ 85 برقم (41) ، والدارقطني في (الصفات) (ص 37) برقم (48) (ت: الغنيمان) ، والآجري في (الشريعة) 3\ 1152 برقم (725) ، والطبراني في (الكبير) 12\ 329 برقم (13580) ، والبيهقي في (الأسماء والصفات) 2\ 64 برقم (640) (ت: الحاشدي) .
(3) سورة الشورى الآية 11
(1) صحيح مسلم العلم (2674) ، سنن الترمذي العلم (2674) ، سنن أبي داود السنة (4609) ، سنن ابن ماجه المقدمة (206) ، مسند أحمد (2/397) ، سنن الدارمي المقدمة (513) .