س2 القرآن يقول إن اليهود والنصارى يقرؤون الكتب السماوية (2 / 113) ؟
ج2 يشير بذلك إلى قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (1) .
وبخ الله تعالى في هذه الآية كلا من الفريقين اليهود والنصارى على إنكاره على الآخر ما بيده تصديقه عنادا منهم وبغيا وعدوانا، فوبخ اليهود على كفرهم برسالة عيسى عليه السلام وما جاء به من التشريع وهم يتلون الكتاب: أي التوراة، وفيها ما أخذ الله عليهم من الميثاق أن يؤمنوا به، وبما جاء به من تشريع الله. ووبخ النصارى على كفرهم بموسى عليه السلام وهم يتلون الكتاب: أي الإنجيل، وفيه تصديق ما بين يديه من التوراة التي جاء بها موسى إلا قليلا مما أمره الله أن يحله لهم، وليس معنى ذلك
تقرير ما طرأ على التوراة والإنجيل من التحريف، ولا ما أخفاه كل من اليهود والنصارى من كتاب نبيه، بدليل ذكره سبحانه ما جناه كل منهما على كتاب نبيه في آيات أخرى من القرآن الذي يحتجون بما تشابه منه على مزاعمهم تمويها وتلبيسا على الناس، بل يجب ضم سائر المآخذ التي أخذت عليهم بعضها إلى بعض من تحريف بعض النصوص وإخفاء بعضها والإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض آخر منه، فإن أصل الكتابين من عند الله كما أن القرآن نزل من عند الله وكل منها يصدق بعضه بعضا، وكل الأنبياء يبشر سابقهم بلاحقهم ويصدق لاحقهم السابق منهم، فيجب الإيمان بهم جميعا وبجميع ما جاؤوا به من عند الله تعالى، فمن آمن ببعض ذلك وكفر ببعض فهو كافر بالجميع وإليك ما يؤيد ما تقدم من آيات القرآن، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} (1) {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} (2) {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (3) وهذه الآيات عامة يدخل فيها اليهود والنصارى وغيرهم، قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} (4) {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (5)
الآيات، إلى قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} (1) وهذه الآيات عامة في اليهود والنصارى، وقال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (2) الآيات، إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ} (3) وهذه الآيات عامة في اليهود والنصارى أيضا، وقال تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (4) وهذه الآيات وكثير مما بعدها وما قبلها نزلت في بيان فضائح اليهود، كما نزل فيهم قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} (5) ولها نظائر في
النصارى، كإخفائهم البشارة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى في إنكاره على النصارى {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} (1) الآيات، إلى قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} (2) وقال تعالى في اليهود والنصارى {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} (3) الآيتين إلى قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} (4) أفبعد هذا يصح أن يقال: إن القرآن أثنى على اليهود أو النصارى الذين لم يؤمنوا به بعد نزوله أو أنه أثنى على ما لعب به اليهود من التوراة أو على ما حرف من الإنجيل أو زيد فيه كبنوة عيسى لله أو إلهيته مع الله، أو صلب اليهود إياه أو قتلهم له أو كتمان وإخفاء صفة محمد ورسالته، إن لم يكن ما ذكر تحريفا وكتمانا وزيادة ونقصا فماذا يسمى فعل كل من الفريقين بكتاب نبيه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الهوامش
(1) سورة البقرة الآية 113
(1) سورة النساء الآية 150
(2) سورة النساء الآية 151
(3) سورة النساء الآية 152
(4) سورة المائدة الآية 15
(5) سورة المائدة الآية 16
(1) سورة المائدة الآية 20
(2) سورة التوبة الآية 29
(3) سورة التوبة الآية 34
(4) سورة البقرة الآية 75
(5) سورة الأنعام الآية 91
(1) سورة المائدة الآية 17
(2) سورة المائدة الآية 78
(3) سورة البينة الآية 4
(4) سورة البينة الآية 6