الفتوى رقم (3063)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على السؤال المقدم من معالي مدير جامعة الملك عبد العزيز الدكتور عبد الله عمر نصيف إلى سماحة الرئيس العام، والمحال إليها منه برقم (181 \ 1س) في 6 \ 6 \ 1400 هـ، ونصه:
تقدم طالبات السكن الداخلي بالجامعة اللائي تقيم أسرهن بالطائف بطلب السماح لهن بالسفر إلى الطائف أيام العطل الرسمية والخميس والجمعة، بواسطة حافلات النقل الجماعي بدلا من حضور أولياء أمورهن؛ لمرافقتهن من وإلى الجامعة، وفقا لتعليمات الجامعة، وذلك بناء على موافقة خطية مصدق عليها من جهة رسمية بالسماح لبناتهم باستعمال هذه الحافلات، وتحملهم مسئولية ما قد ينجم عن ذلك؛ تيسيرا على أولياء الأمور، ودفعا للمشاق التي يتحملونها في تعدد مرات الحضور لاستلام بناتهم.
هذا وقد أفاد مشرف محطة الطائف في شركة النقل الجماعي بإمكان تحمل المحطة مسؤولية نقل الطالبات، وإذ نعرض الأمر على فضيلتكم نأمل موافاتنا بالرأي الشرعي في هذا الأمر، علما بأنه في حالة الموافقة سيتعدى ذلك إلى الطالبات القاطنات في مكة المكرمة والمدينة المنورة وغيرها.
ونسأل الله تعالى أن يجزيكم عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
وأجابت بما يلي: إن الشريعة الإسلامية مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، ومن مقاصدها الضرورية: المحافظة على الأنساب والأعراض، وقد ثبت في الكتاب والسنة ما يدل دلالة واضحة على سد الذرائع التي تفضي إلى اختلاط الأنساب وانتهاك الأعراض: كتحريم خلوة المرأة بأجنبي، وتحريم إبدائها زينتها لغير زوجها ومحارمها، ومن في حكمهم، بمن ذكرهم الله تعالى في سورة النور؛ كالأمر بغض البصر وتحريم النظرة الخائنة، ومن الذرائع القريبة التي قد تفضي إلى الفاحشة واختلاط الأنساب وهتك الأعراض: سفر المرأة دون من فيه صيانة لها في اعتبار الشرع؛ من زوجها أو أحد محارمها، فكان حراما، لما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم (1) » رواه أحمد والبخاري ومسلم ولما ثبت عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تسافر المرأة بريدا إلا ومعها محرم يحرم عليها (2) » رواه أبو داود والحاكم ولما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول وهو يخطب: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا معها ذو محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني
اكتتبت في غزوة كذا وكذا. فقال: انطلق فحج مع امرأتك (1) » رواه أحمد والبخاري ومسلم. وورد في بعض الروايات التقييد بيوم، وفي بعضها التقييد بليلة، وفي بعضها التقييد بثلاثة أميال، وفي بعضها بيومين، والتحديد بذلك ليس بمراد، وإنما هو تعبير عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه، ثم هو مفهوم عدد معارض بمنطوق حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وما في معناه، فلا يعتبر وإنما يعتبر ما ثبت من الإطلاق في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو واضح في أن المرأة ممنوعة عن كل ما يسمى سفرا إلا ومعها زوجها أو ذو محرم لها، سواء كان قليلا أو كثيرا، وسواء كانت شابة أم عجوزا، وسواء كان السفر برا أم بحرا أم جوا، ومن خالف في ذلك فخص النهي بالشابة أو قيده بما ذكر من التحديد في بعض الأحاديث أو بما إذا كانت الطريق غير مأمونة، أو اكتفى بالرفقة الثقات المأمونة، فقوله مردود بعموم حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فإنه منطوق فيقدم على مفهوم العدد في الأحاديث الأخرى، وعلى هذا يكون سفر النساء بالطائرات أو السيارات بلا زوج أو محرم منهيا عنه، سواء كن طالبات أم غير طالبات؛ لكونه سفرا، فيصدق عليه عموم النهي في الحديث.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الهوامش
(1) أحمد 2 / 13، 19، 142-143، والبخاري 2 / 35، ومسلم 2 / 975، برقم (1338) ، وأبو داود 2 / 348 برقم (1727) ، وابن أبي شيبة 4 / 5، وابن خزيمة 4 / 133 برقم (2521) ، والطحاوي في (شرح المعاني) 2 / 113، وابن حبان 6 / 434، 440، 441 برقم (2720، 2729، 2730) ، والبيهقي 3 / 138، 5 / 227 كلهم من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما
(2) أبو داود 2 / 347 برقم (1724) ، والحاكم 1 / 442، وابن حبان 6 / 439 برقم (2727) ، وابن خزيمة 4 / 136 برقم (2526) ، البيهقي 3 / 139.
(1) الشافعي (بترتيب السندي) 1 / 286، وأحمد 1 / 222، 346، والبخاري 2 / 219، 4 / 18، 6 / 159، ومسلم 2 / 978 برقم (1341) ، واللفظ له، وابن ماجه 2 / 968 برقم (2899، 2900) ، وابن أبي شيبة 4 / 6، وابن خزيمة 4 / 137 برقم (2529، 2530) ، وابن حبان 6 / 441، 9 / 72، 72-73 برقم (2731، 3756، 3757) ، وأبو يعلى 4 / 279، 394 برقم (2391، 2516) ، والطبراني 11 / 335، 336 برقم (12201 - 12205) ، والبيهقي 5 / 226.