السؤال الثاني من الفتوى رقم (20023)
س 2: هل ينفي التوكل الدعاء؟ المعنى: هل يمكن للعبد أن يتوكل على الله دون أن يدعو؛ لأنني سمعت وقرأت هذا الحديث القدسي: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ؟ ماذا تعني كلمة: (ذكري) ، هل تعني: القرآن الكريم؟ وماذا تعني: مسألتي؟ أما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من لم يسأل الله
يغضب عليه (1) » هذا في معنى الحديث، إذا فهل نقرن الدعاء بالتوكل؟ اختلطت علي الأمور بين الحديث القدسي والحديث النبوي الواردين أعلاه، فأيهما أفضل: أن نسأل الله أم أن ننشغل بالذكر دون السؤال؟
ج 2: أولا: هذا الحديث خرجه الترمذي في (جامعه) ، من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه (2) » وهذا الحديث ضعيف، ففي سنده عطية العوفي، ومحمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهما ضعيفان.
قال الإمام أبو حاتم الرازي: (هذا حديث منكر) وقال الحافظ الذهبي: (حسنه الترمذي فلم يحسن) ، والحديث رواه أيضا الدارمي في (سننه) ، والطبراني في كتاب (الدعاء) والبيهقي في (الأسماء والصفات) ، وذكره ابن الجوزي في (الموضوعات) والله أعلم.
ثانيا: جاءت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، ترغب في الدعاء وتحث عليه، بل تجعله هو العبادة، قال الله تعالى:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (1) وقال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (2) وغيرها من الآيات كثير، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة (3) » ، رواه أصحاب السنن بسند صحيح، والدعاء لا ينافي التوكل، بل هو أخذ بالأسباب المشروعة، ومن ظن أن من التوكل ترك الدعاء فقد غلط على الشريعة، وهكذا من ظن أن التوكل على الله يغني عن فعل الأسباب من البيع والشراء والزراعة ونحو ذلك، فقد غلط، وإنما المشروع لكل مسلم ومسلمة الجمع بين التوكل وبين فعل الأسباب المشروعة والمباحة. والله المستعان.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز آل الشيخ ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الهوامش
(1) سنن الترمذي الدعوات (3373) ، سنن ابن ماجه الدعاء (3827) .
(2) (سنن الترمذي) 5 / 184 برقم (2926) .
(1) سورة البقرة الآية 186
(2) سورة غافر الآية 60
(3) سنن الترمذي تفسير القرآن (2969) ، سنن ابن ماجه الدعاء (3828) .