البر والصلة
الفتوى رقم (1253)
س: مضمون السؤال: أن السائل سلمه أبوه بعد الولادة بسبعة أيام لعمته؛ لتقوم برضاعه وتربيته، فقامت عمته بذلك ومات أبوه بعد عامين من ولادته، وترك شقيقة للسائل أصغر منه، وادعى أن أمها قتلتها حينما تزوجت بعد أبيه برجل لم يرض أن تعيش هذه البنت معها ببيته، وذكر أن لأمه ثمانية أولاد من هذا الرجل، وأنه إذا ذهب إلى أمه لزيارتها - رغم بعد المسافة - منعه زوجها من رؤيتها، وذكر أنه صار أبا لخمسة أولاد، وأنه فقير، ويسأل ماذا يجب عليه؟ وماذا يجب على أمه من الصلة؟ وهل عليه أو عليها إثم لعدم الصلة؟ ويرجو الإفادة.
ج: يجب عليك أن تبر أمك وتحسن إليها بقدر الاستطاعة، ولو لم ترضعك، ولم تقم بتربيتك؛ لقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (1) وقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (2) وقوله تعالى:
{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (1)
ولما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة «أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك (2) » .
ويحرم عليك أن تتهمها وتسيء بها الظن، وتتكلم فيها بغير علم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (3) وقال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (4)
وإذا ذهبت لزيارتها، أو أردت برها والإحسان إليها فامتنعت، أو منعها زوجها، أو منعك من الاتصال بها، أو إيصال شيء إليها، فقد فعلت ما عليك، ولا إثم عليك؛ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (5) وإياك وقطيعتها أو الإساءة إليها، بل قابل إساءتها بالإحسان؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين (6) »
الحديث، وقوله: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ومنعا وهات (1) » ، وقوله: «لا يدخل الجنة قاطع (2) » ، وقوله: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها (3) » وإن كنت فقيرا كفى أن تزورها وتلقاها لقاء حسنا، ببشاشة وجه وسرور، وينبغي لها أن تعطف عليك، وتمكنك من صلتها بقدر الاستطاعة، فإن لم تفعل فلا تسئ، بل أحسن إليها.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
50
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الهوامش
(1) سورة النساء الآية 36
(2) سورة الإسراء الآية 23
(1) سورة لقمان الآية 15
(2) صحيح البخاري الأدب (5971) ، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2548) ، سنن ابن ماجه الوصايا (2706) ، مسند أحمد بن حنبل (2/391) .
(3) سورة الحجرات الآية 12
(4) سورة الإسراء الآية 36
(5) سورة البقرة الآية 286
(6) صحيح البخاري الشهادات (2654) ، صحيح مسلم الإيمان (87) ، سنن الترمذي تفسير القرآن (3019) ، مسند أحمد بن حنبل (5/37) .
(1) صحيح البخاري الأدب (5975) .
(2) صحيح البخاري الأدب (5984) .
(3) أحمد 2 / 193، 190، 163، والبخاري في (الصحيح) 7 / 73، وفي (الأدب المفرد) ص / 38 برقم (68) ، وأبو داود 2 / 323 برقم (1697) ، والترمذي 4 / 316 برقم (1908) ، وابن أبي شيبة 8 / 351، وأبو نعيم في (الحلية) 3 / 301، وفي (تاريخ أصبهان) 1 / 273، والبزار (البحر الزخار) 6 / 360 برقم (2371، 2372) ، وابن حبان 2 / 189 برقم (445) ، والبيهقي 7 / 27، والبغوي 13 / 30 برقم (3442) .