السؤال الأول من الفتوى رقم (4271)
س1: أفيدوني جزاكم الله خيرا عن حكم الرجل الذي ارتكب فاحشة الزنا، ثم تاب ولم يقدر يتم توبته، وبعد أن تزوج وجد نفسه لا تميل للزنا مثلها سابقا، ويريد أن يجدد التوبة ولكن لا يعلم هل تقبل أم لا؟
ج1: من ارتكب فاحشة الزنا ثم تاب عنها ولم يستطع إكمال توبته، بل رجع إليها، وبعد أن تزوج وجد نفسه لا تميل إلى الزنا كما كانت سابقا وجرد توبته - فإنها تقبل إذا توافرت شروطها، فشروط التوبة من حقوق الله ثلاثة: الاعتراف بالذنب، والندم على فعله تعظيما لله وإخلاصا له، والعزم على أن لا يعود إليه. والتوبة من حقوق الخلق لها شروط أربعة: الثلاثة المذكورة، والرابع إعادة الحق إلى صاحبه ما استطاع إلى ذلك سبيلا وتحلله منه، ونذكرك بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} (1) الآية من سورة التحريم، وقوله تعالى:
والذين {لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} (1) {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} (2) {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (3)
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الفتوى رقم (5984)
س: إنني شاب عمري 24 عاما ومتزوج، ولي مولود واحد، وقبل زواجي بتسع سنوات كنت مجرما إجراما عنيفا، أسأل الله السلامة، مجرم بالزنا فقط، الزنا في كل شيء، الزنا في النساء والأولاد والبهائم، والعياذ بالله من الكفر، وتبت حوالي مرتين وأرجع على الزنا مرة ثانية - أعوذ بالله - حتى تزوجت وبعد الزواج تركت الزنا قطعيا، ولكن السؤال هنا: هل لي توبة من الذي فات أم لا؟ علما أنني لم أحج ولا أزور قبل الزواج، وأنا خايف من الله رب العالمين، أرجف من الخوف كل ليلة حيث
إنني أريد الحج إن شاء الله، أرجو الإفادة جزاكم الله خير الجزاء، هل تقبل توبتي الآن أم لا؟ لأنني كنت جاهلا ويزين الشيطان لي عملي. أفيدونا أثابكم الله.
ج: باب التوبة واسع ومفتوح لكل تائب في الدنيا إلى الله ما لم يغرغر، وهي: حالة الاحتضار عند الموت، ففي هذه الحالة لا تقبل التوبة، قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (1)
وقد دعا الله سبحانه عباده من العصاة وغرهم إلى التوبة إليه والإنابة، وبين أنه يغفر جميع الذنوب مهما كانت، وإن كثرت في قوله تبارك وتعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (2) وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (3) وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} (4)
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قبول توبة القاتل، ففي (الصحيحين) عن أبي سعيد رضي الله عنه، «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة (1) » واللفظ
لمسلم.
فإذا تاب العبد المسلم إلى الله توبة نصوحا، مستكملا لشروطها من الإقلاع عن المعصية، والندم على ما صدر منه، والعزم على عدم العودة إليها، وإن كانت المعصية بينه وبين إخوانه المسلمين من حقوق مالية ونحوها ردها إليهم، وطلب منهم الحل والمسامحة - فإن الله سبحانه يقبل توبته ويتوب عليه، وعليه أن يكثر من الأعمال الصالحة من الطاعات، كالصلاة والصدقات والصيام وغيرها من وجوه البر والإحسان؛ ليبدل الله تلك السيئات حسنات، كما قال تعالى بعد أن ذكر استحقاق الإثم لمن يعمل السيئات من الشرك والقتل والزنا، ثم استثنى منهم من تاب فقال: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (1) وفقك الله للتوبة النصوح.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الهوامش
(1) سورة التحريم الآية 8
(1) سورة الفرقان الآية 68
(2) سورة الفرقان الآية 69
(3) سورة الفرقان الآية 70
(1) سورة النساء الآية 18
(2) سورة الزمر الآية 53
(3) سورة الشورى الآية 25
(4) سورة النساء الآية 110
(1) رواه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أحمد 3 / 20، 72، والبخاري 4 / 149، ومسلم 4 / 2118 برقم (2766) ، وابن ماجه 2 / 875 برقم (2622) ، وأبو يعلى 2 / 305 - 306 برقم = = (1033) ، وابن حبان 2 / 376، 380 برقم (611، 615) ، والبيهقي في (الشعب) 12 / 368 - 369 برقم (6663) .
(1) سورة الفرقان الآية 70